ابن قيم الجوزية

333

مدارج السالكين بين منازل اياك نعبد واياك نستعين

وقد قيل : من أخذ العلم من عين العلم ثبت . ومن أخذه من جريانه أخذته أمواج الشبه . ومالت به العبارات ، واختلفت عليه الأقوال . قال : « الدرجة الثالثة : أن يستوي عنده المدح والذم ، وتدوم لائمته لنفسه . ويعمى عن نقصان الخلق عن درجته » . اعلم أنه متى استقرت قدم العبد في منزلة « الإخبات » وتمكن فيها : ارتفعت همته ، وعلت نفسه عن خطفات المدح والذم . فلا يفرح بمدح الناس . ولا يحزن لذمهم . هذا وصف من خرج عن حظ نفسه ، وتأهل للفناء في عبودية ربه . وصار قلبه مطرحا لأشعة أنوار الأسماء والصفات . وباشر حلاوة الإيمان واليقين قلبه . والوقوف عند مدح الناس وذمهم : علامة انقطاع القلب ، وخلوه من اللّه ، وأنه لم تباشره روح محبته ومعرفته ، ولم يذق حلاوة التعلق به والطمأنينة إليه . وأما قوله : « وأن تدوم لائمته لنفسه » فهو أن صاحب هذا المنزل لا يرضى عن نفسه ، وهو مبغض لها متمنّ لمفارقتها . والمراد بالنفس ، عند القوم : ما كان معلولا من أوصاف العبد ، مذموما من أخلاقه وأفعاله . سواء كان ذلك كسبيا ، أو خلقيا . فهو شديد اللائمة لها . وهذا أحد التأويلين في قوله تعالى : وَلا أُقْسِمُ بِالنَّفْسِ اللَّوَّامَةِ ( 2 ) [ القيامة : 2 ] قال سعيد بن جبير وعكرمة : تلوم على الخير والشر . ولا تصبر على السراء . ولا على الضراء . وقال قتادة : اللوامة : هي الفاجرة . وقال مجاهد : تندم على ما فات ، وتقول : لو فعلت ؟ ولو لم أفعل ؟ . وقال الفراء : ليس من نفس برّة ولا فاجرة إلا وهي تلوم نفسها : إن كانت عملت خيرا قالت : هلّا زدت ؟ وإن عملت شرا قالت : ليتني لم أفعل . وقال الحسن : هي النفس المؤمنة . إن المؤمن - واللّه - ما تراه إلا يلوم نفسه : ما أردت بكلمة كذا ؟ ما أردت بأكلة كذا ؟ ما أردت بكذا ؟ ما أردت بكذا ؟ وإن الفاجر يمضي قدما قدما ، ولا يحاسب نفسه ولا يعاتبها . وقال مقاتل : هي النفس الكافرة . تلوم نفسها في الآخرة على ما فرطت في أمر اللّه في الدنيا . والقصد : أن من بذل نفسه للّه بصدق كره بقاءه معها . لأنه يريد أن يتقبلها من بذلت له . ولأنه قد قرّبها له قربانا . ومن قرّب قربانا فتقبّل منه . ليس كمن ردّ عليه قربانه . فبقاء نفسه معه دليل على أنه لم يتقبل قربانه . وأيضا فإنه من قواعد القوم المجمع عليها بينهم ، التي اتفقت كلمة أولهم وآخرهم ، ومحقهم ومبطلهم عليها : أن النفس حجاب بين العبد وبين اللّه ، وأنه لا يصل إلى اللّه حتى يقطع هذا الحجاب . كما قال أبو زيد : رأيت رب العزة في المنام . فقلت : يا رب ، كيف الطريق إليك ؟ فقال : خلّ نفسك وتعال « 1 » .

--> ( 1 ) معناه : انخلع من هذه الظواهر لتعرف الحقيقة ، التي هي أنت أنا وأنا أنت . وطالما كان أبو يزيد يهتف -